الشيخ محمد رشيد رضا
41
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وليس هذا ولا ذاك بمعني الصغار في اللغة وانما أراد قائلوهما انه يتحقق بهما ولم يريدوا أن اللفظ يدل عليه بوضعه اللغوي ومعنى كون هذا الصغار يصيبهم عند اللّه انه يحصل لهم في الآخرة إذ كل ما فيها يطلق عليه انه عند اللّه باعتبار انه ليس لأحد من الخلق هنالك تصرف ما ولا تأثير لا كالدنيا التي صرف اللّه فيها الناس أنواعا من التصرف . أو معناه أنه مما اقتضاه حكمه وعدله وسبق به تقديره فان ما هو ثابت عند اللّه في حكمه القدري التكويني الذي دبر به نظام الخلق ، وما ثبت في حكمه الشرعي التكليفي الذي أقام به العدل والحق ، يطلق على كل منهما انه عنده . قال تعالى في أهل الافك ( 24 : 13 فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ) ثم قال فيه ( 24 : 15 وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) وعلى القول الثاني يصح أن يحصل هذا الجزاء لهم بالصغار على استكبارهم عن الحق في الدار الدنيا قبل الآخرة . وعلى القول الأول يتعين أن يكون في الآخرة ، وحينئذ يكون المراد بالعذاب الشديد ما يصيبهم في الدنيا أو في الدنيا والآخرة جميعا . قال تعالى ( 39 : 25 كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) وقال في عاد قوم هود بعد ما ذكر من استكبارهم وجحودهم ( 41 : 15 فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) وعذاب الأمم في الدنيا بذنوبها مطرد ولا يطرد عذاب الافراد وإن كانوا من المجرمين الماكرين ، ولكن أكابر مجرمي مكة الذين تصدوا لايذاء النبي ( ص ) والكيد له قد عذبوا في الدنيا كالخمسة المستهزئين الذين قيل إن السياق السابق في طلب الآيات الذي يعد هذا السياق تابعا له نزل فيهم لأنهم رؤساء المجرمين ( راجع ص 671 ج 7 وص 5 ج 8 ) وقتل من قتل منهم في بدر كما هو معروف في السيرة النبوية وإذ قد بين تعالى عاقبة المجرمين الماكرين الذين حرموا الاستعداد للاسلام بعد بيان حالهم ، قفى عليه بالمقابلة بينهم وبين المستعدين له ، ثم ببيان ظهور هدايته ، واستقامة محجته ، وبجزاء المهتدين به ، على حسب سنته في كتابه ، فقال « تفسير الآن الحكيم » « 6 » « الجزء الثامن »